محمد كمال لطفى الابتدائيه ( بميت عاصم )

رؤيه ورساله المدرسه
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 نجيب محفوظ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوهند
0
0
avatar

عدد المساهمات : 76
تاريخ التسجيل : 09/05/2010
نقاط : 216

مُساهمةموضوع: نجيب محفوظ   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 8:32 am

[center][b]نجيب محفوظ

المقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم ، نحمده وبه نستعين ، بين يديكم أقدم بحثي عن شمعة أضاءت دروب الأدب العربي والعالمي معا ، في شتى المجالات ، فلم تقتصر ريشته على الكتابة أو نشر الكلمات على ورق ، بل تخطى حدود الكلمات والكتابات واجتاز المحيطات واصلا لمرفئ الفن بجميع مستوياته ، فقد عزفت كلماته على أجمل الألحان ، وأفكاره مثلها أشهر الفنانين من الجنسان ، دعوني أعرفكم على هرم الأدب العربي (نجيب محفوظ ) .
حياته :

ولد نجيب محفوظ في 11 ديسمبر 1911
كان نجيب محفوظ في الثامنة من عمره عندما انتفض الشعب المصري أول انتفاضة شعبية حقيقة شاملة في تاريخه الحديث سنة 1919، ورأى الطفل الصغير المظاهرات والمصادمات الدموية بين المصريين والإنجليز من شرفة منزله في ميدان بيت القاضي بحي الجمالية الذي بناه بدر الجمالي أحد القواد الفاطميين، وشاهد مظاهرات النساء الشعبيات بالملاءات اللف.وقبل ثماني سنوات من هذه الثورة التي أثرت بعمق في شخصية وأدب نجيب محفوظ، وتحديدا في مساء (11 ديسمبر 1911م) كانت زوجة عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا تعاني حالة ولادة متعثرة، ولم تستطع "الداية" (القابلة) فعل شيء إلا الاستنجاد بالزوج، الذي أسرع أحد أصدقائه بإحضار الدكتور "نجيب محفوظ" - الذي أصبح من أشهر أطباء النساء والتوليد في العالم- وأصر الأب على أن يسمي وليده باسم الدكتور القبطي الشهير.كان نجيب محفوظ أصغر الأبناء، لكنه عاش مع أبيه وأمه كأنه طفل وحيد؛ لأن الفارق الزمني بينه وبين أصغر إخوته كان لا يقل عن عشر سنوات، وكانوا كلهم رجالا ونساء قد تزوجوا وغادروا بيت العائلة، إلا أصغرهم الذي التحق بالكلية الحربية، ثم عمل بالسودان بعد تخرجه مباشرة، لذلك كانت علاقته بأمه علاقة وطيدة، وكان تأثيرها فيه عميقا، بعكس والده الذي كان طوال الوقت في عمله خارج البيت، وكان صموتا لا يتحدث كثيرا داخل البيت، ويصف نجيب والدته بأنها: "سيدة أمية لا تقرأ ولا تكتب، ومع ذلك كانت مخزنا للثقافة الشعبية.. وكانت تعشق سيدنا الحسين وتزوره باستمرار.. والغريب أن والدتي أيضا كانت دائمة التردد على المتحف المصري، وتحب قضاء أغلب الوقت في حجرة المومياوات.. ثم إنها كانت بنفس الحماس تذهب لزيارة الآثار القبطية خاصة دير "مار جرجس".. وكنت عندما أسألها عن حبها للحسين و"مار جرجس" في نفس الوقت تقول "كلهم بركة" وتعتبرهم "سلسلة واحدة".. والحقيقة أنني تأثرت بهذا التسامح الجميل لأن الشعب المصري لم يعرف التعصب، وهذه هي روح الإسلام الحقيقية".
أما والده فكان موظفا "ولم يكن من هواة القراءة، والكتاب الوحيد الذي قرأه بعد القرآن الكريم هو "حديث عيسى بن هشام"؛ لأن مؤلفه المويلحي كان صديقا له، وعندما أحيل إلى المعاش عمل في مصنع للنحاس يملكه أحد أصدقائه.
التحق نجيب محفوظ بالكتاب وهو صغير جدًّا ليتخلص أهل البيت من شقاوته، لكنه عندما أصبح تلميذًا بالابتدائية لم يكن والده بحاجة إلى حثه على المذاكرة؛ لأنه كان مجتهدا بالفعل ومن الأوائل دائما، أما أولى المحطات الفاصلة في حياته فكانت حصوله على شهادة "البكالوريا" التي تؤهله لدخول الجامعة، كان والده يرى أن أهم وظيفتين في مصر هما وكيل النيابة والطبيب، لذلك أصر على التحاق ابنه بكلية الطب أو كلية الحقوق، وكان أصدقاؤه مع هذا الرأي من حيث إن نجيب محفوظ كان متفوقا في المواد العلمية، وكان ينجح بصعوبة في المواد الأدبية كالجغرافيا والتاريخ واللغتين الإنجليزية والفرنسية، والمادة الأدبية الوحيدة التي تفوق فيها كانت هي اللغة العربية، وكان نجاحه في البكالوريا عام 1930 بمجموع 60% وترتيبه العشرين على المدرسة، وكان هذا المجموع يلحقه بكلية الحقوق مجانا، لكنه اختار لنفسه كلية الآداب قسم الفلسفة.
وبعد تخرجه سنة (1934م) التحق نجيب محفوظ بالسلك الحكومي، فعمل سكرتيرًا برلمانيا بوزارة الأوقاف من 1938 إلى 1945، ثم عمل بمكتبة "الغوري" بالأزهر، ثم مديرًا لمؤسسة القرض الحسن بوزارة الأوقاف حتى عام 1954، فمديرا لمكتب وزير الإرشاد، ثم مديرا للرقابة على المصنفات الفنية، وفي عام 1960 عمل مديرًا عامًّا لمؤسسة دعم السينما، فمستشارًا للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتليفزيون، ومنذ عام 1966 حتى 1971 وهو عام إحالته إلى التقاعد عمل رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما، وبعدها انضم للعمل كاتبًا بمؤسسة الأهرام.

بدايته مع الادب :

نمت علاقة نجيب محفوظ بالأدب من خلال قراءته للعقاد وطه حسين وسلامة موسى وتوفيق الحكيم والشيخ مصطفى عبد الرازق الذي درس له الفلسفة الإسلامية في كلية الآداب وكان يظنه قبطيا، وسير "ريدر هجارد" و"تشارلس جارفس" و"جيمس بيكي" و"توماس مان" و"سارتر" و"كامى" و"بيكيت" و"بروست" و"أناتول فرانس" و"هربرت ريد" الذي كان يكتب في مجال الفن التشكيلي، و"جولزورثي" و"تولستوي"، بالإضافة إلى قراءاته في الأدب الإغريقي. وبعد تخرجه سنة 1934 كان نجيب محفوظ مرشحًا لبعثة لدراسة الفلسفة في فرنسا، لكنه حُرم منها، لأن اسمه القبطي أوحى بوفديته، وكانت الحرب ضد حزب الوفد على أشدها في تلك الفترة، مما حسم صراعا كبيرا كان يدور في نفس نجيب محفوظ بين الفلسفة والأدب، فحسم الأمر لصالح التفرغ للأدب.
بدأ نجيب محفوظ يكتب المقالات وهو في التاسعة عشرة من عمره، ونشر أول قصصه القصيرة "ثمن الضعف" بالمجلة الجديدة الأسبوعية يوم (3 أغسطس 1934م) لكنه انطلاقا من روح ثورة 1919 خطط لمشروعه الأدبي الكبير، وهو إعادة كتابة التاريخ الفرعوني بشكل روائي، وكتب بالفعل ثلاث روايات في هذا الاتجاه وهي: "عبث الأقدار" و"رادوبيس" و"كفاح طيبة"، لكنه توقف بعد ذلك وأعاد دراسة مشروعه.
قدم نجيب محفوظ عددا كبيرا من الروايات والأعمال الأدبية منذ بدايات القرن العشرين، وحتى وقت قريب، واستطاعت هذه الإعمال الأدبية أن تصور التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لمصر خلال القرن الماضي الذي يعد أهم القرون التي عاشتها مصر، وتركت بصمتها الواضحة على الشخصية المصرية.

لجوائز والأوسمــة :

جائزة قوت القلوب عن رواية ( رادوبيس ) ، عام 1943 .
جائزة وزارة المعارف عن رواية ( كفاح طيبة ) ، عام 1944 .
جائزة مجمع اللغة العربية عن رواية ( خان الخليلى ) ، عام 1946 .
جائزة الدولة التشجيعية فى الآداب من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ، عام 1957 .
وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى ، عام 1962 .
جائزة الدولة التقديرية فى الآداب من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ، عام 1968 .
وسام الجمهورية من الدرجة الأولى ، عام 1969 .
جائزة نوبل فى الآداب ، عام 1988 .
جائزة مبارك فى الآداب من المجلس الأعلى للثقافة ، عام 1999.

كلمته عند استلامه جائزة نوبل :

سيداتى، سادتى
فى البدء أشكر الأكاديمية السويدية ولجنة نوبل التابعة لها على التفاتها الكريم الاجتهادى المثابر الطويل وأرجو أن تتقبلوا بسعة صدر حديثى إليكم بلغة غير معروفة لدى الكثيرين منكم، ولكنها هى الفائز الحقيقى بالجائزة، فمن الواجب أن تسبح أنغامها فى واحتكم الحضارية لأول مرة. وإنى كبير الأمل ألا تكون المرة الأخيرة، وأن يسعد الأدباء من قومى بالجلوس بكل جدارة بين أدبائكم العالميين ا لذين نشروا أريج البهجة والحكمة فى دنيانا المليئة بالشجن

سادتى

.أخبرنى مندوب جريدة أجنبية فى القاهرة بأن لحظة إعلان اسمى مقرونا بالجائزة ساد الصمت وتساءل كثيرون عمن أكون ـ فاسمحوا لى أن أقدم لكم نفسى بالموضوعية التى تتيحها الطبيعة البشرية. أنا ابن حضارتين تزوجتا فى عصرمن عصور التاريخ زواجا موفقا، أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة وهى الحضارة الفرعونية، وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة وهى الحضارة الإسلامية. ولعلى لست فى حاجة إلى تعريف بأى من الحضارتين لأحد منكم، وأنتم من أهل الصفوة والعلم، ولكن لا بأس من التذكير ونحن فى مقام النجوى والتعارف

وعن الحضارة الفرعونية لن أتحدث عن الغزوات وبناء الإمبراطوريات فقد أصبح ذلك من المفاخر البالية التى لا ترتاح لذكرها الضمائر الحديثة والحمد لله. ولن أتحدث عن اهتدائها لأول مرة إلى الله سبحانه وتعالى وكشفها عن فجر الضمير البشرى. فلذلك مجال طويل فضلا عن أنه لا يوجد بينكم من لم يلم بسيرة الملك النبى أخناتون. بل لن أتحدث عن انجازاتها فى الفن والأدب ومعجزاتها الشهيرة الأهرام وأبو الهول والكرنك. فمن لم يسعده الحظ بمشاهدة تلك الآثار فقد قرأ عنها وتأمل صورها. دعونى أقدمها ـ الحضارة الفرعونية ـ بما يشبه القصة طالما أن الظروف الخاصة بى قضت بأن أكون قصاصا، فتفضلوا بسماع هذه الواقعة التاريخية المسجلة. تقول أوراق البردى أن أحد الفراعنة قد نما إليه أن علاقة آثمة نشأت بين بعض نساء الحريم وبعض رجال الحاشية. وكان المتوقع أن يجهز على الجميع فلا يشذ فى تصرفه عن مناخ زمانه. ولكنه دعا إلى حضرته نخبة من رجال القانون. وطالبهم بالتحقيق فيما نما إلى علمه، وقال لهم إنه يريد الحقيقة ليحكم بالعدل. ذلك السلوك فى رأىى أعظم من بناء إمبراطورية وتشييد الأهرامات وأدل على تفوق الحضارة من أى أبهة أو ثراء. وقد زالت الإمبراطورية وأمست خبرا من أخبار الماضى. وسوف يتلاشى الأهرام ذات يوم ولكن الحقيقة والعدل سيبقيان مادام فى البشرية عقل يتطلع أو ضمير ينبض

وعن الحضارة الأسلامية فلن أحدثكم عن دعوتها إلى إقامة وحدة بشرية فى رحاب الخالق تنهض على الحرية والمساواة والتسامح، ولا عن عظمة رسولها. فمن مفكريكم من كرمه كأعظم رجل فى تاريخ البشرية. ولا عن فتوحاتها التى غرست الآف المآذن الداعية للعبادة والتقوى والخير على امتداد أرض مترامية ما بين مشارف الهند والصين وحدود فرنسا. ولا عن المآخاة التى تحققت فى حضنها بين الأديان والعناصر فى تسامح لم تعرفه الانسانية من قبل ولا من بعد. ولكنى سأقدمها فى موقف درامى ـ مؤثر ـ يلخص سمة من أبرز سماتها. ففى إحدى معاركها الظافرة مع الدولة البيزنطية ردت الأسرى فى مقابل عدد من كتب الفلسفة والطب والرياضة من التراث الإغريقى العتيد. وهى شهادة قيمة للروح الإنسانى فى طموحه إلى العلم والمعرفة. رغم أن الطالب يعتنق دينا سماويا والمطلوب ثمرة حضارة وثنية

قدر لى يا سادة أن أولد فى حضن هاتين الحضارتين. وأن أرضع لبانهما واتغذى على أدابهما وفنونهما. ثم ارتويت من رحيق ثقافتكم الثرية الفاتنة. ومن وحى ذلك كله بالإضافة إلى شجونى الخاصة ـ ندت عنى كلمات. أسعدها الحظ باستحقاق تقدير أكاديميتكم الموقرة فتوجت اجتهادى بجائزة نوبل الكبرى. فالشكر أقدمه لها باسمى وباسم البناة العظام الراحلين من مؤسسى الحضارتين

سادتى..
لعلكم تتساءلون: هذا الرجل القادم من العالم الثالث كيف وجــد من فـراغ البال ما أتاح له أن يكتب القصص؟؟ وهو تساؤل فى محله.. فأنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون حتى ليهدده سدادها بالمجاعة أو ما يقاربها. يهلك منه أقوام فى أسيا من الفيضانات. ويهلك آخرون فى أفريقيا من المجاعة. وهناك فى جنوب أفريقيا ملايين المواطنين قضى عليهم بالنبذ والحرمان من أى من حقوق الانسان فى عصر حقوق الإنسان وكأنهم غير معدودين من البشر. وفى الضفة وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم. هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائى وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف لهم به. فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة ـ رجالا ونساء وشبابا وأطفالا ـ تكسيرا للعظام وقتلا بالرصاص وهدما للمنازل وتعذيبا فى السجون والمعتقلات. ومن حولهم مائة وخمسون مليونا من العرب. يتابعون ما يحدث بغضب وأسى مما يهدد المنطقة بكارثة إن لم تتداركها حكمة الراغبين فى السلام الشامل العادل ، أجل كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصا؟ ولكن من حسن الحظ أن الفن كريم عطوف. وكما أنه يعايش السعداء فأنه لا يتخلى عن التعساء. ويهب كل فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجيش به صدره
وفى هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحضارة لا يعقل ولا يقبل أن نتلاشى أنات البشر فى الفراغ. لا شك أن الإنسانية قد بلغت على الأقل سن الرشد. وزماننا يبشر بالوفاق بين العمالقة ويتصدى العقل للقضاء على جميع عوامل الفناء والخراب. وكما ينشط العلماء لتطهير البيئة من التلوث الصناعى فعل المثقفين أن ينشطوا لتطهير البشرية من التلوث الأخلاقى. فمن حقنا وواجبنا أن نطالب القادة الكبار فى دول الحضارة كما نطالب رجال اقتصادها بوثبة حقيقية تضعهم فى بؤرة العصر. قديما كان كل قائد يعمل لخير أمته وحدها معتبرا بقية الأمم خصوما أو مواقع للاستغلال. دونما أى اكتراث لقيمة غير قىمة التفوق والمجد الذاتى. وفى سبيل ذلك أهدرت أخلاق ومبادئ وقيم. وبرزت وسائل غير لائقة. وازهقت ارواح لا تحصى. فكان الكذب والمكر والغدر والقسوة من آيات الفطنة، ودلائل العظمة. اليوم يجب أنت تتغير الرؤية من جذورها. اليوم يجب أن تقاس عظمة القائد المتحضر بمقدار شمول نظرته وشعوره لمسئولية نحو البشرية جميعا. وما العالم المتقدم والثالث إلا أسرة واحدة، يتحمل كل إنسان مسئوليتة نحوها بنسبة ما حصل من علم وحكمة وحضارة. ولعلى لا أتجاوز واجبى إذا قلت لهم باسم العالم الثالث: لا تكونوا متفرجين على مآسينا ولكن عليكم أن تلعبوا فيها دورا نبيلا يناسب أقداركم. إنكم من موقع تفوقكم مسئولون عن أى انحراف يصيب أى نبات أو حيوان فضلا عن الإنسان فى أى ركن من أركان المعمورة. وقد ضقنا بالكلام وآن أوان العمل. آن الأوان لإلغاء عصر قطاع الطرق والمرابين. نحن فى عصر القادة المسئولين عن الكرة الأرضية. انقذوا المستبعدين فى الجنوب الإفريقى. انقذوا الجائعين فى إفريقيا. انقذوا الفلسطينيين من الرصاص والعذاب بل انقذوا الإسرائيليين من تلويث تراثهم الروحى العظيم. انقذوا المديونين من قوانين الاقتصاد الجامدة. والفتوا أنظارهم إلى أن مسئوليتهم عن البشر يجب أن تقدم على التزامهم بقواعد علم لعل الزمن قد تجاوزه ...
سادتى..
معذرة. أشعر بأنى كدرت شيئا من صفوكم ولكن ماذا تتوقعون من قادم من العالم الثالث. أليس أن كل إناء بما فيه ينضح؟
ثم أين تجد أنات البشر مكانا تتردد فيه إذا لم تجده فى واحتكم الحضارية التى غرسها مؤسسها العظيم لخدمة العلم والأدب والقيم الإنسانية الرفيعة؟ وكما فعل ذات يوم برصد ثروته للخير والعلم طلبا للمغفرة فنحن ــ أبناء العالم الثالث ــ نطالب القادرين المتحضرين باحتذاء مثاله واستيعاب سلوكه ورؤيته

سادتى..
رغم كل ما يجرى حولنا فإننى ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية. لا أقول مع الفيلسوف كانت إن الخير سينتصر فى العالم الآخر. فإنه يحرز نصرا كل يوم. بل لعل الشر أضعف مما نتصور بكثير. وأمامنا الدليل الذى لا يجحد. فلولا النصر الغالب للخير ما استطاعت شراذم من البشر الهائمة على وجهها عرضة للوحوش والحشرات والكوارث الطبيعية والأوبئة والخوف والأنانية. أقول لولا النصر الغالب للخير ما استطاعت البشرية أن تنمو وتتكاثر وتكون الأمم وتكتشف وتبدع وتخترع وتغزو الفضاء وتعلن حقوق الإنسان: غاية ما فى الأمر أن الشر عربيد ذوصخب ومرتفع الصوت وأن الإنسان يتذكر ما يؤلمه أكثر مما يسره. وقد صدق شاعرنا أبو العلاء عندما قال : إن حزنا ساعة الموت أضعاف سرور ساعة الميلاد .
سادتي
أكرر الشكر وأسألكم العفو .

رحلته السينمائية :

لا يعتبر اتجاه محفوظ الأديب لكتابة السيناريو السينمائي بدعا أو شاذا عن غيره من الأدباء العالميين بل نبغ كغيره مثل: ماركيز وسارتر وغيرهما، لكنه كان من الأدباء المصريين القلائل الذين نظروا إلى السينما نظرة جادة، وكتبوا لها ليرفعوا من شأنها، بتحويلها من عمل تجاري محض، إلى عمل فني متكامل يمس الجماهير ويحقق مطلبها الحقيقي بفن جاد.
تؤكد بدايات محفوظ أنه لم يكن يعرف ما هو السيناريو السينمائي عندما التقى بالمخرج صلاح أبو سيف عن طريق صديقهما المشترك الدكتور فؤاد نويرة، فكان أبو سيف قد قرأ رواية عبث الأقدار، وأحس أنه أمام كاتب لديه ما يقوله.
كان هذا اللقاء بمثابة فرصة ثمينة للسينما المصرية، ليحدث التعاون بين كاتب بحجم وموهبة محفوظ وثقافته، ومخرج كبير ومثقف بمرتبة أبو سيف، لينتج عنه دفع السينما المصرية خطوات عدة للأمام.
وكان أول سيناريو يشارك نجيب محفوظ في كتابته فيلم "مغامرات عنتر وعبلة" عام 1945، ثم سيناريو فيلم "المنتقم" عام 1947، وعبر هذين الفيلمين تعلم محفوظ مبادئ كتابة السيناريو، وانطلق يقتحم هذا العالم خصوصا في الفترة من عام 1952 حتى 1960 والتي توقف بعدها عن كتابة السيناريو.
ليعد من أكثر الأدباء المصريين أعمالا سينمائية، فكتب خلال رحلته ما يقارب من 18 سيناريو سينمائي، أما عن الأفلام التي أخذت عن قصصه الأدبية أو رواياته فقد بلغت 12 فيلما، ليظهر أننا نجد من بين أحسن مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية التي اختارها الناقد سعد الدين توفيق 11 فيلما كتب لها نجيب محفوظ السيناريو أو القصة أو هما معا، وستة أفلام أخذت عن أعماله الأدبية، ليكون مجموعها 17 فيلما أي 17% من إجمالي الأفلام.
والأفلام هي: "لك يوم يا ظالم"، "شباب امرأة"، "ريا وسكينة"، "الوحش"، "جعلوني مجرما"، "درب المهابيل"، "الفتوة"، "جميلة"، "احنا التلامذة"، "بين السماء والأرض"، "بداية ونهاية"، "اللص والكلاب"، "الناصر صلاح الدين"، "الطريق"، "القاهرة 30"، "خان الخليلي"، و"السمان والخريف".

رائد القصة السينمائية :

بالإضافة إلى كتابة السيناريو عموما فقد كتب القصة السينمائية لفيلم "بين السماء والأرض"، ليعد أول من كتب القصة السينمائية كعمل فني مستقل، حيث عد رائدًا في هذا المجال الذي لم يكن يعترف به (أي وجود القصة السينمائية).
وبالإضافة إلى رواياته التي تحولت إلى أفلام سينمائية، وعددها حتى الآن 12 فيلما وثلث، والثلث الأخير هو الجزء الخاص به من فيلم "دنيا الله" الذي تكون من ثلاثة أجزاء.
وقد منح محفوظ الأديب لارتباط وظيفته بالسينما (وهو ليس الأديب الوحيد، كما يدعي البعض، فعبد الحميد جودة السحار ارتبطت وظيفته بالسينما أيضا) منذ عام 1959 حتى إحالته على التقاعد سنة 1971 قدرا كبيرا لأن يترك تأثيرا على السينما، حيث عمل مديرا للرقابة، ثم مديرا لمؤسسة دعم السينما ثم مستشارا لوزير الثقافة لشئون السينما.
ولا شك أن اتجاه نجيب محفوظ للسينما دفعها إلى الأمام دفعة قوية، حيث أصبح للسيناريو بناء فني واضح المعالم في تسلسله، والشخصية مرسومة بدقة من حيث تاريخها وسلوكها وتصرفاتها، كما يؤكد المخرج "توفيق صالح" الذي كتب له محفوظ سيناريو فيلم "درب المهابيل".
الانحياز للطبقات الفقيرة :

وقد قدم محفوظ مع المخرج صلاح أبو سيف أعمالا ليست بالرومانسية الصرفة، ولم تكن ذات نزعة تجارية تغازل الجمهور وتخطب ود شباك التذاكر، بل انحازا بوضوح إلى صف الطبقات الفقيرة والمضطهدة بفعل وجود التوافق بينهما والميول الاشتراكية.
وهذا ما جعل سيناريوهات أفلامه تواجه دوما بتردد شديد من المنتجين عندما تعرض عليهم كونها كانت تغرد خارج سرب السينما التجارية، ومع ذلك حققت بعد إنتاجها نجاحا جماهيريا عاليا، وهذا يدلل على أنه كان يكتب ما يريده الجمهور لكن ليس على الطريقة التجارية بل عبر تقديم قصص واقعية حدثت في المجتمع الذي هو منه أو ما كان هو شاهدا عليه.
ورغم أن المتعارف عليه أن ينسب الفيلم لمخرجه كونه هو الذي يضعه في الشكل النهائي ويفرض عليه طابعه الخاص غير أن سيادة طابع نجيب محفوظ على أفلامه وبما اتسمت به بملامح واضحة رغم اختلاف مخرجيها يسمح لنا أن ننسبها إليه.
وكان لغالبية أفلامه أن شاركت في كثير من المهرجانات العالمية كمهرجان كان في فرنسا، وبرلين في ألمانيا، ومهرجان الفيلم العربي بالاتحاد السوفيتي آنذاك... إلخ من المشاركات الدولية.
ويعود ذلك إلى أن أفلامه كانت من أفضل الأفلام المصرية لسببين الأول: كون مخرجيها من أفضل المخرجين أمثال: صلاح سيف ويوسف شاهين وصلاح سالم، والثاني: كونها كانت تمثل لمخرجيها أفضل أعمالهم الفنية.

2 -

لام فترة النقاهة :

أحلام فترة النقاهة"هو العمل الجديد الذي طلع به صاحب جائزة نوبل للآداب الروائي المصري نجيب محفوظ الذي ما زال يثير الدهشة بالقدرة على اقتناص المفارقة والتقاط ما يثير روح التحفز في قارئه، خاصة ما يتعلق بالموقف من السلطة.
وقد ضمن محفوظ أحلامه في مؤلفه الجديد مفاهيم العدالة الاجتماعية وثنائية الشعب والسلطة التي طبعت رواياته الرمزية في نهاية الخمسينات من أمثال "أولاد حارتنا" واللص والكلاب" وغيرهما.
والحلم رقم 100 في العمل الجديد هو أشبه بصرخة حين يتواطأ الجميع على الشعب, ويتحدث محفوظ فيه عن محكمة موضع الاتهام فيه نفر من الزعماء, لكن القاضي يقرر أن يصدر حكم الإعدام في حقه هو الذي حضر الجلسة لمعرفة المسؤول عما حاق بالشعب, ولم تجد صرخاته جدوى.

146 حلما :
ورغم أن الحلم الكابوس ينتهي فإن الأسئلة التي تؤرق نجيب محفوظ باقية بوعيه بأن للسلطة منطقها ولا تهتم بإعدام بريء جاء متفرجا على المحاكمة وليس طرفا فيها.

وكان الروائي المصري قد تعرض عام 1994 لمحاولة اغتيال على يد شخص لم يقرأ له, وأثر الحادث على قدرته على الكتابة وعلاقته بمتابعة أمور الحياة إلا عبر أصدقاء.

غير أن الحادث دفعه من جهة أخرى لكتابة هذه اللوحات التي يضمنها نظرته للحياة ولكثيرين ممن أثروا فيه ورحلوا مثل المطرب الملحن زكريا أحمد الذي يراه في الحلم "جالسا على أريكة محتضنا عوده ويغني وحوله الأسرة نساء وأطفالا وبينهما رجل معلق من قدميه على مبعدة طست مليئة بمية النار, وكان الجميع يتابعون الغناء دون أدنى التفات للرجل المعذب", ويترك التعليق للقارئ.

وتنشر "أحلام فترة النقاهة" مسلسلة في مجلة "نصف الدنيا" المصرية مصحوبة برسوم للفنان التشكيلي المصري محمد حجي ومقدما لها بقلم الكاتبة المصرية سناء البيسي. وجمع الكتاب 146 لوحة تقع في 118 صفحة في لغة جمعت بين الصفاء والإيجاز الشديد
حلام النقاهة الأولى (1 ـ 50): ‏
تبدو الأحلام من رقم (1 ـ 50) غير منقطعة الصلة بأحلام نجيب محفوظ في مجموعته القصصية السابقة، فيها يركز على كوابيس الواقع وقضاياه الاجتماعية (الجهل) والاقتصادية والفلسفية أكثر من القضايا الأخرى. يرصد فيها انقلاب العالم إلى سرك كبير وتحول الإنسان في عالم الألاعيب السياسية، البهلوانية، إلى مهرج في ذلك السيرك. حيث لا سيادة للعقل ولامكان للمنطق، يعزو محفوظ ذلك إلى الواقع الراهن في العالم العربي وخارجه. واقع مأساوي يعيش فيه الملايين من المهرجين وأصحاب الأقنعة، والأشخاص غير الأسوياء الذين يحبون الإتيان بكل ماهو غريب وشاذ. وبما أن الحصار أصبح يمتد في كل مكان ويطارد الإنسان حتى داخل جدران بيته، فإن الهروب من ذلك السيرك بات أمرا مستحيلا. في الحلم رقم (1) يجسد محفوظ معاناة ذوي الدخل المحدود في بعض المجتمعات العربية التي يحكمها التفاوت الطبقي، واحساس الحالم بالقهر والخديعة، وبأنه كان ضحية غدر شائن، أو خديعة قاسية، أو قدر معاكس، عندما يسلب ماله أو حريته أو كبرياؤه. ففي ظل الغلاء وارتفاع أسعار السلع أصاب الجوع أعداداً كبيرة من الجماهير، في الوقت عينه يشير إلى الخراب الذي حل في داخل نسيج تلك المجتمعات، في إشارة واضحة لموجات الفساد واللصوصية داخله. ..بمهارة واقتدار ينسج محفوظ في الحلم رقم(5) تلك الرؤية الضبابية للسيرك الكبير الذي تعيش فيه تلك المجموعات. ‏
إزاء الواقع المليء بالمتناقضات والصور القاتمة وحالة السلبية واللامبالاة وروح الهزيمة والعجز التي تسيطر على أعداد كبيرة من المواطنين في المجتمعات العربية. يرصد محفوظ في الحلم (21) ويكشف عن السلبيات التي تفر زها تلك الحالة، إذ تختفي الروح التعاونية بين البشر ويغدو كل شخص منكفئا على ذاته وتعم في ظل السياق الاجتماعي المفكك الفوضى والشعور بالقهر والهزيمة، وتنتشر الجريمة، إضافة لشعور الكثير من البشر بالذل والخجل من أنفسهم لعدم استطاعتهم فعل شيئ إزاء ذلك الواقع المخزي. ‏
بشفافية بالغة يعبر محفوظ في الحلم الذي يحمل رقم (12) عن افتقاد المواطن للأمن والأمان في كثير من المجتمعات العربية، الأمر الذي يؤدي لازدياد مخاوفه من احتمال نشوب حرب،أو من مطاردة النظم والقوى الأمنية له، فتفتك به الضغوط العصبية، وتسكنه الأوهام والهموم المعلنة والخفية، والقوى الحقيقية والخيالية. كونه مهدداً دائما. يستطرد محفوظ «بأن لا يكفي لهذا المواطن من أن يكون مسالما أو بعيد الصلة عن أية ممارسات خطيرة اجتماعية وسياسية حتى يكون بمنأى عن الخطر وفي الحماية، ولا يكفي انزواؤه داخل منزله أيضا، لان هناك دائما سببا خفيا يتم من اجله إرهاب المواطن وترويعه عن طريق إلصاق تهم مجهولة به، للقبض والقضاء عليه.. لابد من الإشارة هنا إلى أن هذا الحلم يتلاقى ويتقاطع مع الحلم الخامس، والحلم الثاني عشر في مجموعة محفوظ (رأيت فيما يرى النائم) . ‏
أحلام المرحلة الثانية: (51 ـ 146) ‏
يركز محفوظ فيها على كوابيس الواقع السياسية والعسكرية أكثر من قضايا الواقع الأخرى. لاسيما على الأحداث السياسية والعسكرية التي تشغل العالم العربي والإسلامي، كالحروب والأحداث المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، والحملة الأمريكية على أفغانستان، والحرب على العراق. وسيطرة قانون الغاب، وغياب الشرعية الدولية وانتشار بعض المظاهر الواقعية السوداوية والفظاظة والغلظة الإنسانية في العصر الحديث، ومطلع الألفية الثالثة التي أفرزت الفساد و الجرائم الوحشية والممارسات الدموية والأفعال الإجرامية المنظمة والمهندسة والأحداث القاسية ووقوع الملايين في أرجاء العالم العربي والبلاد المستضعفة المغلوبة على أمرها في قبضة القلق والاضطراب والفزع. هنا يبرز واضحا شعور الفرد بهزيمته وحملها في قلبه، متوقعا الغدر و الموت في أي لحظة، من خلال تنفيذ حكم الإعدام به من دون تهمة واضحة. ينتقد محفوظ في الحلم رقم (100) الأحوال المجتمعية التي يشيع فيها الظلم والانتهاك والرمي بالباطل، فيقول الراوي موضحا بأنه من الممكن أن ينا ل الإعدام أي مواطن حتى ولو كان خارج القضية وفي مقاعد المشاهدين ويصور محفوظ مشهد النطق بحكم الإعدام عليه في قاعة المحكمة، وصراخه القوي الذي لم يعبأ به أحد. «هذه محكمة وهذه منصة يجلس عليها قاضٍ واحد، وهذا موضع الاتهام يقف فيه نفر من الزعماء، وهذه قاعة الجلسة، حيث جلست أنا متشوقاً لمعرفة المسؤول عما حاق بنا. ولكني أحبطت عندما دار الحديث بين القاضي والزعماء بلغة لم أسمعها من قبل، حتى اعتدل القاضي في جلسته استعداداً لإعلان الحكم باللغة العربية، فاستدرت للأمام، ولكن القاضي أشار إليّ أنا، ونطق بحكم الإعدام، فصرخت منبهاً إياه بأنني خارج القضية، وأني جئت بمحض اختياري لأكون مجرد متفرج، ولكن لم يعبأ أحد بصراخي»! ‏
حلم 20
خرجنا باحثين عن مكان طيب نمضى فيه بعض الوقت، ونظرنا الى الهلال ثم تبادلنا النظر.. ورأيت على ضوء المصباح رجلاً عملاقاً لم تر العين مثله ارسل عموداً لا مثيل لطوله نحو الهلال حتى بلغ طرفه. وراح بحركة ماهرة يفرد طيات نوره حتى استوى بدراً وسمعنا اصوات تهليل فهللنا معها وقلت انه لم يحدث مثل هذا من قبل فصدقت على قولى، وانساب النور على الكون رفعنى على سطح الماء فهتفت »ليلة قمرية« فقلت »القارب يدعوننا« وركبنا ونحن فى غاية السرور وغنى الملاح رايداك والنبى رايداك، واسكرنا الفرح فاقترحت ان نسبح حول القارب وخلعنا ملابسنا ووثبنا الى الماء وسبحنا ونحن فى غاية الامتنان ولكن القمر تراجع فجأة الى الهلال واختفى الهلال.. انزعجنا انزعاجاً لم نعرف مثله من قبل، ولكننى شعرت بأنه يجب مراجعة الموقف بما يتطلبه من جدية فقلت ونحن غارقان فى الظلام »لنسبح نحو القارب« فقالت »واذا ضللنا الطريق« فقلت »نستطيع ان نسبح حتى الشاطئ« فقالت »سنكون عاريين على الشاطئ« فقلت: فليؤجل التفكير فى ذلك
حلم 35
فى بيت العباسية ونحن نأوى الى أسرتنا أيقظنى صوت ابن أخى وهو يصيح حريق فى السقف، ونهضت فزعاً وجاء ابن اخى بالسلم الخشبى وأقمناه فى الصالة وصعد كل واحد منا على جانب حاملاً ما استطاع حمله من الماء وأخذ يرشه على النار السارية بين الأركان، واقتحمت حجرة أختى، وأيقظتها من نومها العميق ومن عجب انها قامت متكاسلة ومتشاكية من أننا لا نتركها ابداً تنعم بالنوم. وعلى أى حال ساعدتنا بملء الأوعية بالماء حتى سيطرنا على النار واخمدناها وبدأنا نحقق فى الأمر ولكن رجال المطافئ حضروا على أثر استدعاء الجيران لهم وتأكدوا من خمول النار وفتحوا الشرفات وتفقدوا الأثاث الموجود بها وانتهى الحريق بعد ان أفحمنا فزعاً، وعندما جلسنا نستعيد بعض هدوئنا دق جرس التليفون ويلاحظ هنا تداخل الزمان والمكان اذ ان بيت العباسية لم يكن به تليفون وهكذا اصبحنا فى مسكن اخر مع اناس اخرين دق جرس التليفون وكان المتحدث صاحب العمارة التى استأجرنا بها شقة فى الاسكندرية ودعانا الرجل الى الاسكندرية دون ابطاء وانه شبت النار داخل الشقة وطمأننا انه استدعى المطافئ فاخمدوا النار ولكن حضورنا ضرورى بطبيعة الحال. وفى الحال ارتدينا ملابسنا انا وزوجتى واسرعنا الى محطة الباص الصحراوى وكنا فى غاية الكدر والانزعاج حتى أننا اقترحت على زوجتى اخلاء الشقة وتسليمها لصاحبها خاصة وأنها تعرضت الى محاولة سرقة قبل ذلك ولكنها قالت لى انتظر حتى نرى ماذا ضاع منا وماذا بقى
حلم 36
جمعنا بهو ما. ثمة وجوه أراها لأول مرة ووجوه اعرفها جيداً من الزملاء. وكنا ننتظر اعلان نتيجة يانصيب. واعلنت النتيجة وكنت الرابح وكانت الجائزة فيلا حديثة. وحصل زياط وتعليقات وتوهان. ولم تستطع وجوه كثيرة ان تخفى كمدها وقال لى كثيرون انه فوز ولكنه خازوق من اين لك المال لتأثيثها وتوفير الخدم اللازمين لها واستهلاكات الماء والكهرباء وخدمة حوض السباحة والتكييف الخ؟
الحق ان الحلم مازال حلماً وها أنا أتفقد الفيلا كل يوم تقريباً وأرجع بالخيبة والحسرات واستغل اناس قلة خبرتى وأقنعونى ببيعها واشتروها بثمن فرحت به ساعات حتى تبين لى اننى خدعت وسرقت.
وحدث فى ذلك الوقت ان خلت وظيفة مدير عام وكثر التزاحم حولها والمرشحون وبطاقات ذوى النفوذ وقابلت الوزير وقلت له اننى لا وسيط لى سواه ولكنه قال لى لم تستطع ان تحافظ على مالك الخاص فكيف أأتمنك على المال العام.
وصرت نادرة ومثالاً فطلبت ضم المدة الباقية لى فى الخدمة الى خدمتى واحالتى الى المعاش واخيراً وجدت الطمأنينة فى موضع لا يتطلع اليه طماع ولا ينظر اليه ذوو الطموح
حلم 37
المحمل يتمايل فوق الجمل المزين بالالوان والورود. امامه رجل يغرس فى فيه عاموداً ذا رأس تدلى منه شراشيب ورأس الجمل فى مستوى أول طابق من بيت اطل انا من نافذته وتلاقت عينى مع عين الجمل فقرأت فيها ابتسامة وغمزة وحلت لى البركة فطرت من موقعى وراء النافذة ودرت حول رأس الجمل بجلبابى وشعرى المنفوش وكبر الناس وهللوا وذهلوا لوقوع المعجزة وتماديت أنا فارتفعت فى الجو وتراجعت نحو سطح بيتى وهبطت وبعد مرور المحمل تجمع الناس امام البيت يريدون مشاهدة الانسان الطائر واذا بهم يتحولون فجأة من الاعجاب الى الخوف والحذر وقالوا ان روحاً شريرة حلت بالشخص الطائر وان طيرانه حول رأس الجمل نذير شؤم للناس جميعاً وأنه يجب ان يبرأ من الشيطان ذلك بجلده حتى يتطهر تماماً فاذا رفض الدواء عرض نفسه للعقاب المناسب وهو القتل، وركب الرعب الشاب واسرته واستنجدت الاسرة بالشرطة واشترط المأمور ان يرى المعجزة وهى تحدث امام عينيه وذهب الى البيت ورأى المعجزة وبهر بها حقاً ولكنه وجد نفسه بين رأيين الأسرة تقول انها كرامات الاولياء والناس تؤكد انه عبث من الشيطان ونذير شر. واخيراً قرر المأمور ان يضع الشاب فى السجن حتى ينسى الموضوع برمته


حلم 50
كنت اتطلع الى امراة فاتنة تسير فى الطريق فاقترب منى بجرأة وهمس فى أذنى إنها تحت أمرى إذا أمرت كان براق العينين منقرا ولكن لم أصده واتفقنا على مبلغ واصر أن يأخذ نصفه مقدما فأعطيته النصف وضرب لى موعدا لكن عند اللقاء كان بمفرده واعتذر بتوعك المرأة وكان على أتم الاستعداد لرد المقدم ولكنى صدقته وابقيته معه وكان يقابلنى فى حلى وترحالى ويطالبنى بالصبر وخشيت ان تسىء هذه المقالبلات سمعتى فأخبرته اننى عدلت عن رغبتى ولن استرد المقدم ولكن عليه الا يقابلنى ولم يعد يقابلنى ولكنه كان يلوح بها فى اكثر الاماكن التى اذهب اليها وضقت به كما كرهته وقررت الانتقال الى الاسكندرية وفى محطة سيدى جابر رايته واقفا وكانه ينتظر

97
هذه حجرة السكرتارية حيث أمضيت عمرا قبل احالتي الي المعاش، وحيث زاملت نخبة من الموظفين شاء القدر أن أشيع جنازاتهم جميعا، واسترقت نظرة من داخل الحجرة لأري من خلفونا من الشباب، فكدت اصعق لم أر سوي زملائي القدامي واندفعت الي الداخل هاتفا سلام الله علي الأحباب متوقعا ذهولا واضطرابا، ولكن أحدا لم يرفع رأسه عن أوراقه فارتددت الي نفسي محبطا تعسا، ولما حان وقت الانصراف غادروا مكاتبهم دون أن يلتفت أحد نحوي بمن فيهم المترجمة الحسناء، ووجدت نفسي وحيدا في حجرة خالية..

98
من موقفي علي اطوار أرسلت بصري الي الحديقة من خلال قضبان السور الحديدية، وهناك رأيت مالكة فؤادي وهي توزع شيكولاتة علي المحبين فاندفعت جهة باب السور حتي بلغت مدخل الحديقة وأنا ألهث وواصلت الجري في الداخل ولكني لم أعثر للمحبوبة علي أثر فهتفت بحدة لاعنا الحب. وحانت مني التفاتة الي الخارج فرأيت الفتاة في الموضع الذي كنت فيه وهي تتأبط ذراع شاب بدا أنه خطيبها، وهممت بالرجوع من حيث أتيت ولكن أقعدني الارهاق وطول المساءلة وفوات الفرصة.

99
هذا فناء مستدير تتوسطه نخلة رشيقة وتقوم في جوانبه بيوت صغيرة وعند العصاري تفتح الابواب وتخرج النساء للسمر تحت النخلة ويدور الحديث غالبا حول البنات والزواج، وأنزوي أنا بعيدا لاتابع الحديث بشغف، وعندما يهبط المغيب يعضني الجوع ولم يكن يعلم بحالي سوي صديقة طفولتي تتسلل الي حاملة طبقا صغيرا نصفه مملوء بالجبن البيضاء والنصف الآخر مفروش بالبقدونس، ونتعاون معا علي معالجة الجوع علي أنغام حديث الزواج.

100
هذه محكمة وهذه منضدة يجلس عليها قاض واحد وهذا موضع الاتهام يجلس فيه نفر من الزعماء وهذه قاعة الجلسة، حيث جلست أنا متشوقا لمعرفة المسئول عما حاق بنا، ولكني أحبطت عندما دار الحديث بين القاضي والزعماء بلغة لم اسمعها من قبل حتي اعتدل القاضي في جلسته استعدادا لاعلان الحكم باللغة العربية فاسترددت للأمام، ولكن القاضي أشار إلي أنا ونطق بحكم الاعدام فصرخت منبها اياه بأنني خارج القضية وإني جئت بمحض اختياري لأكون مجرد متفرج، ولكن لم يعبأ أحد بصراخي.

101
زينا البيت ترحيبا بالابن العائد بعد غياب، أصبح فيه نجما من نجوم المجتمع وأمضينا السهرة في الشرفة التي تمد الشقة بالمنظر الجميل والهواء النقي، واتحفنا العائد بالأشعار والألحان حتي انتصف الليل وفي الصباح وجدت مدخل الشرفة مسدودا بدولاب عملاق فخجلت، ولكن الابن لم يخف حزنه، اذ ثبت له أن أناسا من صميم أسرته لا يستلطفون وجوده ويكرهون عمله الجميل.

102
أخيرا اهتديت إلي مأوي في الدور التحتاني من بيت قديم، ولكن سرعان ماضفت برطوبته وسوء مرافقه فسعيت من جديد حتي نقلت الي الدور الفوقاني وهو أفضل من جميع النواحي، غير أن السماء أمطرت بغزارة غير معهودة فانسابت المياه من الاسقف فاضطررنا الي تكويم العفش وتغطيته بالأكلمة، وغادرنا الشقة الي بير السلم فشعر بنا ساكن الدور التحتاني الجديد فخرج الينا ودعنا بإلحاح وبشدة الي الداخل حيث الدفء والرعاية.

103
ماذا جري لبيتنا جميع المقاعد تلاصقت وسمرت قوائمها في الأرض، وخلت الاسقف من المصابيح والجدران من الصور والأرض من السجاجيد، فماذا جري لبيتنا؟
قالوا بأنه اجراء لتأمين البيت لتعدد حوادث السطو علي المنازل، فقلت دون تردد إن السطو أحب الي من القبح والفوضي.

104
رأيتني في حي العباسية اتجول في رحاب الذكريات، وذكرت بصفة خاصة المرحومة عين فاتصلت بتليفونها ودعوتها الي مقابلتي عند السبيل، وهناك رحبت بها بقلب مشوق واقترحت عليها أن نقضي سهرتنا في الفيشاوي كالزمان الاول، وعندما بلغنا المقهي خف الينا المرحوم المعلم القديم ورحب بنا غير أنه عتب علي المرحومة عين طول غيابها، فقالت ان الذي منعها عن الحضور الموت فلم يقبل هذا الاعتذار، وقال إن الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبة.

105
جميع الرجال في حينا يحلقون رءوسهم في صالون عم عبده انجذابا للحسناء الجالسة خلف صندوق النقود، وتمنينا جميعا أن تتحسن حالتنا المالية فنحلق ذقوننا كل صباح في رحاب الجمال، وذات يوم وجدتني أسير في طريق متألق الجمال والنقاء، واذا الحسناء مقبلة نحوي من بعد قريب حتي اذا حاذتني التفتت الي فجأة وأخرجت لي لسانها، وبسرعة مذهلة تحول وجهها الي كتلة خشبية سميكة فذعرت وسارعت مبتعدا، غير أن ترامي الي صوت ضحك فنظرت ناحيته فرأيت الحسناء تراقص الأسطي وهما في غاية الحيوية والمرح.

106
غزا الوزارة نبأ بأن انقلابا قد وقع في الصباح الباكر فتجمع الموظفون حول التليفزيون واستمعنا الي البيان الأول، فقال موظف قديم إنه سمع هذا البيان في مطلع شبابه، أما أنا فاكتشف أن زعيم الانقلاب صديق حميم، ومن فرحتي أعلنت الخبر مسترخيا في حبور بأن الحياة سوف تضحك لي، فقال الموظف القديم: إنه قد تضحك لي الدنيا وقد أعدم بدون محاكمة.

107
أنه من تراحم عجيب، ففي حقيقته يرقد نعش كتب عليه أن هذه جنازة فلان تنفيذا لوصيته، وفلان زميل كريم اشتهر بندب حظه السييء فعلي كثرة مؤلفاته لا يكاد يعرفه قاريء، وجاء المشيعون والمتفرجون حتي بلغ الكرام المدافن وسط مظاهرة لم تشهده جنازة من قبل، و ماجاء المساء حتي كان اسم الراحل يتردد علي كل لسان.

108
غادرت القطار الجميل وقلبي مفعم بالأشراق، ولكني وجدت نفسي في خلاء مخيف، فأين إذن الحديقة التي لا يوجد مثلها في البلاد؟!
وأدركني رجل وجيه تذكرت وجه الرجل الذي تزوج من حبيبتي منذ سنوات فاعتذر عن التأخير في بدء العمل لتعاقب الحروب وأكد أن الرأي استقر نهائيا علي أن يعود هذا الأسبوع وعلي أن يتم تمامه في شهر واحد تعود بعده الحياة لأجمل صديقه في الوجود، وبخلاف المتوقع فإنني صدقته أملا أن يجيء يوم تجمع الحديقة بيني وبين حبيبتي كما جمع بيننا حي واحد في الزمان الأول.

109
هذا تلميذي يتلقي عني علوم الموسيقي والألحان وسرعان ما أصبح تلميذي نجما ثريا، وظللت أنا في الظل منسيا فتركت عملي الجميل الشاق واشتغلت بتدريب الآثار، وكف تلميذي عن التعليم والعلم وأدمن المخدرات وعرض صوته للتلف، وحدث أن جمعنا حفل ساهر فلا هو عرفني ولا أنا عرفته، وأخذت أتساءل مع كثيرين عن تدهورنا وما جري لنا.

110
إنه مشوار مرهق وعند نهايته وجدت بوابة مغلقة فاستجمعت قواي وجعلت أرفعها حتي استجابت، فرأيت وراءها بحيرة تنطلق منها صواريخ كلما بلغ صاروخ الفضاء في الفجر باعثا من الظلمة وجها عزيزا محبوبا امتلأ الفضاء بالأحبة، ومع ذلك فمازلت أنتظر سطوع الوجه الذي علمني العشق وألهمني الخلود.

111
في الجو غيم وفي الصدور قلق ويترامي إلينا من بعيد لا يتوقف، وقال صاحبي وهو يحذرني بأنهم يستهدفون حياتنا فقلت له إني عرفت أخيرا سبيل الخلاص، ولا أنكر أنه وعر كثير المقاومة ولكن ليس عندي خير منه فاتبعني إن شئت، وتفكر صاحبي طويلا ثم تبعني وهو يقول إن الأعمار بيد الله وحده!


112
يا لها من ضوضاء، فثمة أصوات متضاربة وخطوات تهرول حينا وتركض حينا وصرخة هنا وصرخة هناك وطلقات نارية وامرأة تستغيث بالله، أذهلني التشابه بين صوته وصوت المرحومة أمي، ومن فوري هرعت إلي السطوح حيث اجتمع إخوتي وأخواني وتحدث أخي الأكبر عن الاستغاثة والصوت، فقال لي بتيقن بأن الصوت هو صوت أمجنا دون غيره وليس آخر يشبهه.

113
أخيرا حضر الوزير الجديد فقدمت له نفسي باعتباري سكرتيره البرلماني، ولكنه لم يفهم كلمة من كلامي فحاولت شرح عملي ولكنه نهرني بحدة وأمر بنقلي من وظيفتي، وهكذا بدأت المعاناة في حياتي، ثم شاء القدر أن يجمع بيني وبين الوزير في مكان خير موقع وهو السجن، وبعد أن أفقت من ذهولي أخذت أذكره بلقائنا الأول وما جري فيه حتي تذكر وتأسف واعتذر، وانتهزت وجودنا في مكان واحد كي أشرح له عمل السكرتير البرلماني.

114
جاءت الشغالة الجديدة مصحوبة ببعض أقربائها وكأنهم أرادوا أن يشاهدوا المكان وأهله لتطمئن قلوبهم علي ابنتهم الوسيمة، غير أن الوسيمة لم تمكث عندنا إلا نصف يوم، ثم ذهبت تاركة في النفوس غضبا وبلبلة، حتي كان ذات مساء فرأيتها تخرج من عمارة قريبة وهي علي حال من الانحراف الصارخ فصعقتني الحقيقة الغائبة وأدركت عم كانوا يبحثون في اللقاء الأول.

115
في البدء التهب الخصام حول إصلاح البيت بين الساكنة في الدور التحتاني ومالكة البيت المقيمة في الدور الفوقاني وترامت الأصوات إلي الحارة الصغيرة ففتحت نوافذ وأبواب وأيد البعض مالكة البيت. أما الكثرة فأيدت الساكنة، واحتدم الجدل ثم تطايرت الشتائم حتي أنذر الغضب الأحمر بسفك الدماء.

116
ذهبت لتهنئة صديق قديم علي الوزارة، ولكن بخلاف المتوقع قوبلت في المكتب بفتور واضح ثم طال انتظار المقابلة دون جدوي، فتسلل إلي ظني أن بعضهم افتري علي فرية أفسدت الود القديم، وأخيرا غادرت مجلسي لا أري ما بين يدي واستقبلني زميل.
يبقي علي وده وقال لي إن لعنة الله علي ألسنة السوء فسألته ولم لم يقابلني ويتحقق من الأمر، فقال إنه مضي زمن والقانون معطل اكتفاء بأقوال الشهود.

117
كنت جالسا في المقهي وإذا بفتوة الحي يجلس إلي جانبي دون استئذان فرحبت به مرغما فقال: إنه اختارني للزواج من ابنته المطلقة، فارتعشت أطرافي وقلت: إنني سأتزوج من ابنة عمي في نهاية الأسبوع، فقال ببساطة وثقة: أنت ستتزوج من ابنتي وأنا سأتزوج من ابنة عمك.

118
وجدتني في ميدان محطة الرمل المزدحم دوما بالبشر، ولمحت في ناحيته الرجل الذي تردد كلماته الألوف وهو يغازل غانية، فهمست في أذنه 'إذا بليتم فاستتروا' فقال: وهل ثمة ستر أقوي من ملابسها.

119
وصلت إلي المحطة في الوقت الحرج واتخذت موقعي في الطابور الممتد إلي شباك التذاكر. ظللنا بين القاطرة والشباك حتي انطلقت صفارة الإنذار الأخيرة ومازلت علي مبعدة من الشباك، وهكذا فاتني القطار.

120
قمنا برحلة إلي المملكة التي تغني بروعتها الشعراء، وهناك انضم كل فرد إلي المرشد الذي اختاره يتنقل به من مشهد إلي مشهد ومن جبل إلي بحيرة ومن متحف إلي مقبرة، وقال المرشد: إنه لم يبق من الرحلة إلا الحديقة البللورية، ودعنا الي شيء من الراحة والتأمل كي لا يصدمنا الانبهار فسألنا: وهل ثمة انبهار يفوق ما شاهدنا من أحياء وأشياء، فابتسم المرشد وواصل السير ونحن في أثره.

121
رأيتني أسير في شارع كورنيش الإسكندرية مستهدفا العمارة التي أري في إحدي شرفاتها السيدة الأنيقة بصحبة زوجها وأبنائها الشبان، فلما فتر الهدف ذاب المنظر ذوبانا سحريا ناعما حتي اختفي وحل محله شارع العباسية، ومازلت أسير نحو العمارة الجديدة التي تطالعني من إحدي نوافذها الفتاة التي لا تنسي، ولكني وجدت النافذة خالية فقررت الانتظار كالعادة في محطة الترام، ولكني لم أجد للمحطة أثرا ولا لقضبان الترام أثرا علي طول الشارع.

122
الليل سجي فاحتوتنا غرفة وهبتنا الظلمة راحة عابرة وفرحا حميما، وترامي إلينا من الطريق ضجة، فهرعت إلي خصاص النافذة فرأيت قوما يحدقون بشخص مألوف الهيئة وينهالون عليه باللعنات واللكمات، وهو مستسلم لم يقاوم حتي شعرت بالكلمات تخرق جسدي.

123
هذا ميدان الأوبرا وفيه أسير متجها نحو مقهي الحرية، فأدهشني أن أجدها خالية من روادها اللهم إلا شخص منكب علي قراءة أوراق مبسوطة بين يديه، وسرعان ما تبين لي أنه أستاذي الشيخ مصطفي عبدالرازق، فانشرح صدري واندفعت نحوه مشتاقا إلي لقاء حميم غير أنه التفت إلي متجهما فهبط قلبي، وأشار الأستاذ نحو الأوراق وقال لي: آسف إنه قرأ اسمي بين شهود الإثبات، فلم أدر ماذا أقول ولا كيف أعتذر؟

124
كثيرا ما اجتمعنا بمكان بقع بين الحقول من ناحية والطريق العام من ناحية أخري، وحتي قال لي صاحبي إن هذا الموقع لا يضمن السلامة في كل الأحوال، ومن لحظتها سكن القلق في صدري حتي استيقظت ذات صباح علي ضجة وصياح، فقمت إلي النافذة فرأيت جموعا لا يحصرها حصر وجماهير لم أميز فيها سوي الغضب الأحمر.

125
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
امال الرفاعى
0
0
avatar

عدد المساهمات : 336
تاريخ التسجيل : 11/02/2011
نقاط : 358
العمر : 17
الموقع : محمد كمال لطفى الرفاعى

مُساهمةموضوع: رد: نجيب محفوظ   الخميس مايو 16, 2013 4:36 pm

شكرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
نجيب محفوظ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
محمد كمال لطفى الابتدائيه ( بميت عاصم ) :: منوعــــــات اعجبتنـــــى :: الركن الادبي-
انتقل الى: